ديـــــــــكُ الجنّ الحمـــــــــــــصيّ
ديك الجنّ الحمصي
إعداد : يوسف الديك
هو - عبد السلام بن رغبان وكني بـ ديك الجن الحمصي..لكثرة تنقله بين البساتين والحقول ..و نسبة لمدينته ..حمص .. في الشام . وهو ممن رفعوا في عصره علم التشيّع عالياً خفاّقاّ .. وتغنّى بآل البيت …وفي عصره نبغ اربعةٌ من الشعراء في بلاد الشام ( العتابيّ ، البحتريّ ، وأبو تمّام ، وديك الجنّ الحمصي ) وقد اضافوا للعربية من التحف والفرائد ما يستحق ان يقف عنده الباحثون والدارسون وقفة إعجاب وتأمل ودراسة .
وأبرز ما يميّز شعراء الشام كما يقول عديّ بن الرقاع أحد شعراء بني أمية ، ان شاعرهم مهما كان مطبوعاً سريع الخاطر فإنه لا يرمي الكلام على عواهنه ولا يرسله إرسالاً ، وانّما ينظر في أعقاب قوافيه ويعود عليها بالتنقيح ، ويتميز ايضاً كما ورد في مقولة الصاحب بن عبّاد ( بـــ الجزالة والعذوبة والفصاحة والسلاسة )
وورد عن أبي بكر الخوارزمي قوله : ما فتق قلبي ، وشحذ فهمي ، وصقل ذهني ،وارهف حدّ لساني ، وبلغ بي هذا المبلغ الاّ تلك الطرائف الشامية ، واللطائف الحلبية ، التي علقت بحفظي وامتزجت بأجزاء جسمي .
وبعد هذه المداخلة والوصف يحق لنا ان نتساءل : ما مذهب الشاميين في شعرهم ؟
انتقل الشعر العربي مع انبلاج القرن الثالث الهجري من البداوة الى الحضارة على يد بشّار بن بُرد وصحبه ، ومن مقتضيات الحضارة التنوق في كل شيء ،والتنوق في الشعر احد اساليب وسمات الشعر الحضري ، فاضاف ديك الجن ثم ابو تمام الى بشار بن برد الكثير من سمات هذا الشعر الجديد بالنسبة للشعراء المطبوعين . وهو ما عرف فيما بعد بفن الصنعة ، او مذهب أبي تمام ..كونه اكثرهم عناية بالصنعة الشعرية .. حتى عرف هذا النمط باسمه .
ذكر عبد الله بن محمد الزبيدي انه كان جالساً عند (ديك الجن) فدخل حدث فانشده شعراً ، فاخرج ديك الجن من تحت مصلاه درجاً كبيراً فيه كثير من شعره فسلمه له وقال : يا فتى تكسّب بهذا واستعن به على قولك . .. ولما خرج سألته عنه فقال ( هذا فتىمن اهل جاسم ) يذكر انه من طىء يكنى ( أبا تمام ) واسمه حبيب بن اوس وفيه ذكاء وادب وله قريحة وطبع … وقد عمّر ديك الجن الى ان مات الفتى .. ابو تمام ورثاه بقصيدة تعتبر من امهات المراثي .. ومنها قوله :
مات حبيبٌ فمات ليـثٌ
وغاض بحرٌ وباخ نجـمُ
سمتْ عيون الردى اليـه
وهي الى المكرمات تسمو
ما أمك اجتاحت المنايـا
كـلّ فـؤاد عليـك أمّ .
……
مع أبي نواس
لما اجتاز ابو نواس بحمص قاصداً مصر لامتداح الخصيب سمع ديك الجن بوصوله فاستخفى منه خوفاً أن يظهر لأبي نواس انه قاصر بالنسبة اليه ، فقصده ابو نواس في داره وهو بها ، فطرق الباب واستأذن بالدخول فردت الجاريه انه ليس هنا ، غير أن أبا نواس عرف هدفه فقال لها : قولي له " أخرج فانت اشعر الإنس والجن وفاتن اهل العراق بقولك " :
مورّدة من كف ظبـي كأنمـا
تناولهـا مـن خـده فأدارهـا
بها غير معدول فداو خمارهـا
وصل بحبالات الغبوق ابتكارها
ونل من عظيم الورد كل عظيمة
إذا ذكرت خاف الحفيظان نارها
فلما سمع ديك الجن استقبله وزاده من شعره .
في المادة التالية .. سأتابع حياة هذا الشاعر .. غزير الإبداع .. خفيف الظل والروح .. مجنح القوافي .. وساتناول قصة غرام بين قلبين أصاخا لهاتف الحب ، وسارا الى هيكل ( كيوبيد ) يبوحان بحبهما ويعلنانها - حرباً - على نواميس اصطلح الناس عليها جهلاً، وضربا معاً بالتقاليد عرض الأفق … هو متشيع من عشاق آل البيت وهي نصرانية …اسمها ( ورد ) … وقصتهما غاية في التشويق والأسى….
قال صاحب الأغاني:
" كان خطيب اهل حمص يصلي على النبي محمد ( عليه الصلاة والسلام ) ثلاث مرّات في خطبه وكان اهل حمص كلهم من اليمن ، وليس فيهم من مضر الاً ثلاثة بيوت ، فتعصّبوا على الإمام وعزلوه .. فاحتدم " ديك الجنّ" غيظاً وأنشد :
سمعوا الصلاة على النبي توالى
فتفرقوا شيعـاً وقالـوا لا، لا !
ثم استمرّ على الصلاة إمامهـم
فتحزبّوا ورمى الرجالُ رجـالا
يا آل حمص توقعوا من عارها
خزيـاً يحـلّ عليكـمُ ووبـالا
شاهت وجوهكمُ وجوهاً طالمـا
رُغمت معاطسُها وساءت حالا !
ومما يمتاز به شاعرنا " ديك الجن " إشراق المطلع ورشاقة اللفظ والزهد في الحياو الدنيا والحض على مهادنة المقادير وتقبل احداث الزمان ببسمة المؤمن الصابر على عوادي الأيام .. وقد اثبت ذلك غير مرة .. وفي قصيدة ارسلها عزاء الى جعفر بن على الهاشمي ،يقول :
نغفـل والأيـام لا تغـفـلُ
ولا لنا مـن زمـن موئـلُ
والدهر لا يسلم من صرفـه
اعصم في القنـه مستوعـل
يتخذ الشعـر شعـاراً لـه
كأنمـا الأفـق لـه منـزلُ
كأنـه بيـن شناظيـرهـا
بارقـة تكمـن أو تمـثـلً
نقول بالعقل وأنـت الـذي
نـاوي إليـه وبـه نعقـلُ
نحن فـدىً لـك مـن امـةٍ
والأرض والآخــر الأولُ
إذا عفا عنـك وأودى بهـا
ذا الدهر فهو المحسن المجملُ
… ثم لمّا مات الأمير الهاشمي .. جعفر بن علي رثاه ديك الجن بقوله :
على هذا كانـت تـدور النوائـبُ
وفي كل جمـع للذهـاب مذاهـبُ
نزلنا على حكم الزمـان وامـره
وهل يقبل النصف الألد المشاغب؟
ويضحك سن المرء والقلب موجع
ويرضى عن دهره وهو عاتـبُ
يقولون مقدار على المرء واجـب
فقلت وإعوال على المرء واجـبُ
فوالله إخلاصاً من القول صادقـاً
وإلاّ فحبـي آل أحمـد كــاذبُ
لو ان دمي كانت شفاؤك أو دمـي
دم القلب حتى يقضب القلب قاضبُ
لسلّمت تسليـم الرضـا وتخذتهـا
يداً للـردى مـا حـج لله راكـبُ
بكـاك اخٌ لـم تحـوه بقـرابـةٍ
بلى إن إخوان الصفـاء اقـاربُ
واظلمت الدنيا التي كنت جارهـا
كأنـك للدنـيـا اخ ومنـاسـب
====
ولــ ديك الجن صولات في شعر الحكمة والحض على الأنفة :
أي ماءٍ يجول في وجهك الحر
إذا ما امتهنتـه بالسـؤال ؟!
ثم لا سيما وقد عصف الدهـر
بأهل النـدى
المزيد