صائدُ فئران الملكْ

كتبهايوسف الديك ، في 23 أغسطس 2006 الساعة: 11:05 ص

صائدُ فئران الملكْ


بقلم : يوسف الديك
==========

قد يستغرب البعض هذا العنوان ، ولكن قد تتلاشى الغرابة أو جزء منها إذا علمنا أن لويس الرابع عشر قد ابتكر في عهده منصبين برتبة وزير …أحدهما " حامل فوطة الملك " ، وهذا الوزير المحترم كانت مهماته بسيطة جداً .. فليس السهر على راحة الرعية إحداها .. وليست متابعة ملف إيران النووي أيضاً ، ولا تفريغ حزب الله من قوته أو تجميع أوراق ملف الشرق أوسط المتناثرة ، كانت مهامه تقتصر على متابعة حركات الملك وسكناته عن كثب أثناء تناوله وجبات الطعام ..كلما رفع يده يجب أن تقترب الفوطة .. وكلما أراد مسح ما علق على شاربيه من بقايا الطعام .أو سحّ على ذقنه من شراب ، أيضاً يجب أن يقترب حامل الفوطة حتى يفرغ سيدنا الملك ويخلد للنوم ، ويعتبر الوزير مقصراً بعرف المهنة أمام القضاء والملك .. لو عطس صاحب الجلالة صدفة .. ولو لم يكن حامل الفوطة قريباً ، فهو بعرف زوجته على الأقل … وزير ..وبعرف جيرانه أكثر من ذلك .. كونه " أقرب المقربين من الملك " .
• ما يندى له الجبين أن بعض المسؤولين في الأنظمة العربية من وزراء ومدراء ومستشارين وأدباء أحياناً قبلوا ما هو اقل بكثير من مهمات " حامل فوطة الملك " فقد ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا هم الفوطة .. وربما في حالات كثيرة .. ارتضوا لعب دور الممسحة . ، فماذا تعني بربكّم وظيفة " وزير بلاط السلطان " … وهل السيراميك والقرميد والرخام والخزف .. أقل قدراً من أن تحظى بممثلين لها في الحكومات العربية ؟ وكيف للمواطن العربي أن يثق بان كرامته ستصان حين يعلم أن من يطلب منه صونها بدون كرامة ؟ حيث تحول بعض المسؤولين إلى نعامات .. لا تعرف من القاموس سوى " أمرك سيّدي " .." وحاضر مولاي " " وسم طال عمرك " ..وقائمة من مستخلصات الذلّ والخنوع .. ولو سألت احدهم لماذا ؟ سيباغتك بأنه يحفظ آية من القرآن الكريم " يا أيّها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" ويشدّد على أولي الأمر منكم … على اعتبار أن السائل يعرف الجزء الأول وما يجب تذكيره به هو الجزء الهام الذي نسيه من الآية الكريمة …يتركك ويعود لحمل الفوطة .
• عندما سئل احد الوزراء المحالين إلى التقاعد ..ماذا أكسبك المنصب ، قال : لقد أعاد إليَ طفولتي المسروقة ، .. ولكم أن تتخيلوا كم كان صادقاً خاصّة إذا اكتشفتم انه عمل في طفولته الفقيرة ماسحاً للأحذية . ، وبكفاحه وعصاميته أصبح وزيراً …ونسي الطفولة والمسح حتى دخل الوزارة .
• لويس الرابع عشر لم يكن غبياً .. فقد أدرك بفطرته الديكتاتورية النبيلة أن تلك الفوطة لم تصنع عبثاً ،وأن هنالك من يستحق حملها .. بل ويتسابق لذلك كونها حظوة لا ينالها إلاّ كلّ صاحب حظ سعيد ، لكنه رغم كل ذلك لن يصبح أكثر من مجرّد حامل فوطة .
• أمّا المنصب الثاني الذي ابتكره لويس الرابع عشر .. فلكم أن تضحكوا لو علمتم انه " صائد فئران الملك " .. فيا له من منصب عظيم .. ومركز رفيع ، ولأن التاريخ لا يفنى ولا يستحدث ولكنه يتغير من شكل إلى آخر .. فقد أعاد بعض الزعماء العرب لهذا المنصب هيئته واعتباره وهيبته ، بمسميات متفاوتة .
• لم يقتصر الأمر على أصحاب المعالي الوزراء من حامل فوطة أو صائد فئران .. ولكن تعدّاه على المستوى الثقافي .. وأحد الأمثلة التي عاينتها والتي سوف أسوقها هنا .. تحمل ما يكفي من مضامين أكثر عجباً خاصة إذا علمنا أن صاحبنا فلسطيني المسمى وان الملك الذي يحمل فوطته ..بيريز ، .،
• ففي العام 1995 دعي بعض المهتمين والمشتغلين بالهمّ الوطني والثقافي إلى أمسية ثقافية ، وحوار مع شاعرين من فلسطين 1948 في " جاليري الفينيق " … فيا لها من مصادفة سعيدة أن نتقابل مع أهلنا تحت الاحتلال خاصة وأنهما من الوسط " الفنّي " الأدبي ..، " ن " و " م ".. " كنت قد كتبت اسميهما صراحة .. وحذفتهما قبل النشر حرصاً على عائلة أحدهما لأن الآخر نسيت اسم عائلته أصلاً " ، ولأن الحضور كان متواضعاً " قرابة عشرة أشخاص فقط " .. استدرنا حول طاولة ..لتكون جلسة ودّية ، وبدأ الشاعر" ن" الحديث ، قال أشياء كثيرة ..أهمها دعوتنا ككتاب إلى رفع التكليف بيننا وبين الكتّاب الصهاينة .. وتبادل الوفود الثقافية والزيارات وعقد الأمسيات المتبادلة ، على اعتبار أن لا شيء يخيف لدي الثقافة اليهودية ..وأن الواجب الوطني يحتّم علينا نحن المنغلقون بنظره أن نحاور الآخر ونفهمه .. إلى أن وصل إلى المقصود " التطبيع الثقافي " … بدأ الدم يسخن في شراييني حتى وصل حد الغليان المئوي .. ولولا وجود أساتذة كنت أحترمهم ..صاحبة المكان والدعوة السيدة الإعلامية " سعاد دبّاح " والراحل الكبير عبد الوهاب البياتي ..لم أكن لأضمن كيف كنت سأعبر عن حنقي مما سمعت ، .. ولكن كنت أول متحدثٍ بعده .. وقلت له :….(.إن ما يؤسفنا هو أننا جئنا لنسمع هموماً ثقافية فلسطينية وهذا الذي سمعناه منك لا يختلف كثيراً عن خطاب أي صهيوني ، يا أخي رسالتك وصلت ..وأتمنى عليك نقل رسالتنا كما نقلت رسالتهم بان باستطاعة إسرائيل أن تخترق كل الأنظمة العربية .. سياسياً واقتصادياً وجغرافياً .. لكن قلعتنا الثقافية ستبقى منيعة عليهم ، ولن يخترقوها كونها أهم ما نمتلك وآخر ما نتحصّن به ضدّ الاستلاب، .،) وتحدث الراحل البياتي بنفس المعنى ..بطريقته المعروفة وصلابته المعهودة …وتابعت السيدة سعاد دبّاح محاولة تخفيف وطأة الورطة التي وجدت نفسها بها بين طرح غريب واستقبالٍ غير ودّي ..فحاولت تهدئة الوضع لكنها كانت اتفقت في مضمون مداخلتها مع رأي البياتي ورأيي .. وكان أحد الأصدقاء الشعراء الأردنيين يجلس إلى يميني .. فهمس في أذني اثناء انشغال الجميع بتناول الشاي ، حرام عليك .. حرقت الرجل .. قلت له لا عليك .. أكملنا الجلسة التي سجلتها كاملة على شريط كاسيت أحتفظ به بمكتبتي في عمّان ، لم تنته الحكاية بعد ، فبعد أقلّ من شهرين على الأمسية .. كنت أتابع أخبار عملية فدائية في تل أبيب من خلال التلفزيون الإسرائيلي .. انتهت أخبار العملية .. ووصلنا إلى المحليات والنشاطات .. فإذا بشخص أعرفه على الشاشة .. إنه الشاعر الفلسطيني " الصدمة " ، يفتتح معرضاً للكتاب في الخضيرة ..وكتب تحت الخبر على الشاشة ( السيد ….ن… ، مدير عام المكتبات ، وزارة المعارف الإسرائيلية ) .. ضحكت حتى كدت اسقط على الأرض .. واتصلت مع صديقي إياه ،وقلت له .. لُمتني حين حرقت الرجل .. لقد تبين انه صاحب منصب رسمي ….ولما استوضح قلت له : .. إنه حامل فوطة الملك .. ولو حقّقنا له غرض زيارته .. لتم رفع شأنه ليصبح .. صائد فئران .. يا لها من مهزلة ، يحار أمامها المرء .. أيبكي .. أم يموت من الضحك غيظاً .. !!؟ ..تذكرت السيّاب .. شاعر العراق الكبير ..حين قال " عجباً .. كيف يخون الخائنون وطنهم ؟؟؟.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : بوح النثر | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

8 تعليق على “صائدُ فئران الملكْ”

  1. Hello…missing your poetry? i hope everything is OK……Ghaleyah

  2. thanks for the crossing by.

  3. لله در المبدع الكبير يوسف الديك ….
    روعة ما بعدها روعة ….

  4. غالية ـ شكراً جزيلا لك ولمرورك المتكرر تنيرين الصفحات بوجودك العطر

  5. أخي الشاعر احمد حسن الاحمدي … كم اسعدني مرورك عزيزي ، اشكر ثنائك الذي يعبر عن طيب منبعك النبيل .لك كل الودّ والتقدير

  6. أولا: إذا فيه كلام بينك و بيني فعلى مدونتي. ثانيا: الكلام لا يخرج من موضوع المطروح للنقاش.

  7. مقالة في غاية الروعة!!

  8. ديونجي .. اشكرك عزيزي الديونجي الجميل … هذا من حسن رؤيتك للامور ونفاذ بصيرتك وخلقك الرفيع .. محبتي



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر