نصر الله ، الأسد ، وفن الخطابة
كتبهايوسف الديك ، في 17 أغسطس 2006 الساعة: 21:52 م
فن الخطابة بين نصر الله والأسد والحريري وجنبلاط
بقلم : يوسف الديك
===============
عبر التاريخ عرفت الخطبة كفنٍ من الأهمية بمكان تصل حدود الشعر خاصة قبل اكتشاف مناحي الأدب الحديثة " الخاطرة و القصّة والرواية " و كانت تغطي الجانب النثري لدي غير الشعراء ،فقد تميّز العرب عبر التاريخ بهذا الفن الهام جداً ، وقد نقلت إلينا كتب التاريخ العديد من الخطب التي كانت تشكّل فيصلاً تاريخياً .. ودهشة لغوية بدءاً بخطب قس بن ساعدة الايادي ووصاياه " إذا رأيت حرباً جبانها يجرؤ ، وشجاعها يجبن ، وخسيس المحتّد يتحكم فيها بكريم المحتّد ، ففرّ منها ،،، وانأ إلى رابية ، وترقّب الأحداث ، ترَ أن في الأمر خيانة" ، والحجاج بن يوسف الثقفي ..( أيّها الناس ، إنّي أرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها ، وإني لصاحبها ) .. وسواهما الكثير ..مما يصعب شرحة في هذه العجالة كمدخل لمادة أساسية سعياً لإيصال الفكرة ناصعة .
في زماننا المعيش أيضاً ، كثرت الخطب .. ولكن قلّ الخطباء ،وتكاد السنوات الثلاثين الأخيرة تخلو من خطيب جماهيري بالمعنى الشمولي ، فمنذ رحيل عبد الناصر الذي استطاع ملامسة الدفق الحسّي لدي الأمّة العربية آنذاك رغم ضعف وسائل التقنية في الاتصالات قياساً لما نحن عليه الآن ، منذ تلك المرحلة لم يستطع سوى حسن نصر الله استعادة النموذج الناصري رغم اختلاف المعتقد الأيديولوجي بينهما .. من قومي ثوري إلى إسلامي مقاوم ، فالسيد نصر الله عرف كيف يعيد للخطبة مكانتها كقيمة جوهرية في زمن الحرب والسلم .. وكان البعض وراء كل خطاب جماهيري حاشد يعتقد أن جمهرة المصفقين والهاتفين أتت بهم التعليمات الحزبية والعاطفة الطائفية .. ولكن هذا المعتقد سقط عندما اثبت نصر الله أنه الوحيد القادر من خلال خطاب متلفز على جمع العالم أمام الشاشات .. بكل تناقضاته .. بما فيهم الأعداء الذين اعترفوا أنهم يصدقونه أكثر من زعمائه .. ولاحظ الجميع كيف يتم تناقل خبر الخطاب فور الإعلان عن نقله بعد قليل عبر رسائل الهواتف المتحركة بانتظار بث الخطاب .. وكيف نتسّمر جميعاً للاستماع لهذا الرجل الذي أجاد فن الخطابة وعرف كيف يجمع كل التناقضات في سلّة واحدة ، وهذا بتقديري أحد أهمّ أسرار نجاح المقاومة وقائدها ، وبساطة تناول اعقد القضايا بسعة صدر وروية وتوازن ، أما الآخر الذي أجاد فن الخطابة الفلسفية فهو الرئيس السوري بشار الأسد الذي يستند على كمّ هائل من الاشتقاقات اللغوية اللافتة .. وقدرته على الخروج عن النص المكتوب على غير عادة الزعماء العرب ، هذا الخروج الذي يضيف للخطبة الكثير من الاستدراكات الساخرة أحياناً والشارحة أحياناً أخرى بما يكفي معها القول أننا أمام رجل واسع الثقافة والمعرفة ، شامل العلم يجيد التعامل مع لغة معقدة .. الأمر الذي افتقر إليه سعد الحريري في خطابه الأخير ، حيث كان يقرأ عن ورقة وهذا ليس معيباً .. ولكن المعيب حقاً هو تكرار العثرات والأخطاء النحوية أثناء القراءة .. لتفقد أدوات النصب مفعولها .. وتُقرأ " حبذا " بتنوين الفتح " حبذاً " بشكل متكرر أفقد النص محتواه والغرض منه .. وكأن المطلوب من الحريري الذي لم تسعفه كل مليارات الراحل بقسط وافر على الأقل بتعلم أساسيات اللغة العربية .. وكأن المطلوب منه فقط هو شتيمة بشّار الأسد ردّاً على الانتقادات اللاذعة التي قدّمها الأسد بأسلوب كوميدي جميل ودقيق .. " المنتج الإسرائيلي " فجاء الحريري الذي قضى فترة القصف هارباً منتظراً سقوط المقاومة ليعود إلى لبنان خالص معدّ لاستقباله كفاتح جديد متأبطاً مشروع حمّالة الحطب " الشرق أوسط الجديد " نيابة عن الغير وبالأصالة عن 14 آذار ،ولكن .. كان أن صمدت المقاومة .. وانتصرت .. فوجمت وجوه الرابع عشر والسابع عشر .. وبدأت قبل أن تجّف الدماء وترفع الأنقاض عن الضحايا تطرح موضوع سلاح المقاومة … الأمر الذي ذكّرهم به نصر الله .. بعد تصريح جو سركيس وزير السياحة اللبناني ..فقال لا تنسوا أنكم تخاطبون شعباً منتصراً ومقاومة باسلة حققت ما أذهل العدو .. ليأتي جنبلاط بعد الحريري بدقائق .. ويطلق جملة من التساؤلات المثيرة لنوازع الحقد الدفين ..وكأننا أمام حالة عقاب لحزب الله ونصر الله لأنه خذلهم .. وانتصر!! ،، هل بهذا النكران وتلك العمالة يكافأ المنتصر ؟ الذي يتفّق الجميع أن كل ذنبه كان دفاعه المستميت عن لبنان ، وصموده الأسطوري المزلزل .. وكي لا أطيل الحديث عن جنبلاط وارتباطاته فقد وجدت في حكاية حقيقية من ارض الواقع خير إشارة ، فمنذ اشتداد القصف الجوي على صور فقدت عجوز وانقطعت اتصالاتها مع ابنتها وحفيدتها في الخارج .. وأخبرتني حفيدتها هاتفيا أن " جدتي " مفقودة .. ولا ندري إن كانت تئن تحت الركام أم سنجدها ملقاة على جانب الطريق المتقطع الأوصال .. ، بعد هدوء العمليات الحربية عادت العجوز إلى صور .. وعندما سُئلت .. : أين كنتِ يا تيتا ؟؟ ضحكت وقالت كنت في الجبل .. في أقرب مكان لمختارة جنبلاط .. ، سألتها حفيدتها .. ألم تجدي غير جنبلاط تنزحي نحوه ..؟؟ فقالت العجوز الذكية بالفطرة … يا تيتا أنا لم أذهب عنده يطعمني ويسقيني … ولكن ذهبت كي يحميني .. فهو الوحيد الذي لو حرق اليهود كل لبنان فلن يقتربوا منه .. هل نسيتِ أنه حبيبهم ؟
لقد سقط 14 آذار .. كما سقط 17 أيار … .. أما محاولاتهم الحريري وجنبلاط وسواهم بعد ما تحقّق على الأرض فلا تعدو عن كونها فقاعات هواء ، وفزّاعات حقول ، تعبّر عن هول صدمتهم بالانتصار الذي يريدون ان يحولوه إلى هزيمة ليخففوا العبء والحرج عن أولمرت ودان حالوتس .. بإيعاز من إدارة " العلوج " ..، لقد انتصرت المقاومة .. وأهدت نصرها للشرفاء .. الشرفاء فقط .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : بوح النثر | السمات:بوح النثر
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أغسطس 27th, 2006 at 27 أغسطس 2006 7:04 م
عزيزي…موضوعك رائع ونظرتك ثاقبة.اشكرك على تعليقك في مدونتي http://www.maktoobblog.com/alajwad? و(حبذن)لو بقينا على تولصل .
أغسطس 27th, 2006 at 27 أغسطس 2006 11:18 م
كل الشكر لك عزيزي اكرم .. وهذا شرف كبير لي .. محبتي لك
سبتمبر 14th, 2006 at 14 سبتمبر 2006 12:36 م
lجميل …..موضوعك جميل
هذه اول مره اقرأ خطابا اشعر فيه ان من كتبه هو شخص غير سوري ويتكلم بحياديه عن الرئيس السوري …فعلا بشار الاسد يمتلك فن الخطابه اللتي لا يتقنها الاغلبيه العظمى من الحكام العرب ….بل ان احدهم عندما استلم الحكم كان لا يستطيع تكلم العربيه كما يجب !!!!
كي لا يتحول تعليقي الى موضوع ….سأكتفي بما كتبت ….
شكرا لك